كان زمان الواحد إذا سألته عن حاجة لا يعرفها، يرد بمنتهى الثقة: «معرفش».. وينتهي الأمر عند هذا الحد. أما الآن، فقد أصبح الاعتراف بعدم المعرفة نوعًا من الضعف، بينما أصبحت الإجابة عن أي سؤال، في أي موضوع، وفي أي وقت، دليلًا على «الثقافة» و«الوعي» و«الفهم»!
اصبر فقط على صاحبنا حتى يفتح هاتفه صباحًا، وستكتشف أنك أمام شخص متعدد المواهب بصورة تثير الدهشة. يبدأ يومه محللًا سياسيًا، وبعد دقائق يتحول إلى خبير اقتصادي، ثم يترك الاقتصاد قليلًا ليعطيك رأيه في الطب والتغذية، وبعدها يدخل في مباراة كرة قدم ليشرح للمدرب أخطاء التشكيل والتغييرات، وقبل أن ينام يكون قد حلل العلاقات الدولية وأزمة الطاقة ومستقبل العالم!
والأجمل أنه لا يحتاج إلى دراسة ولا خبرة ولا حتى قراءة الموضوع كاملًا.. يكفيه «بوست» على فيسبوك، أو فيديو مدته 40 ثانية، أو عنوان مكتوب بخط عريض، وبعدها تبدأ المحاضرة.
ولو اعترضت وقلت له: «المصدر إيه؟» ينظر إليك بثقة ويقول: «موجود على السوشيال ميديا»!
وهنا انتهى النقاش.
لقد اخترعنا في عصر السوشيال ميديا نوعًا جديدًا من الخبراء.. الخبير الفوري. لا يحتاج إلى سنوات من الدراسة، ولا إلى خبرة عملية، ولا إلى الاطلاع على مصادر متعددة. كل ما يحتاجه هو هاتف مشحون، وباقة إنترنت، وجرأة لا تعرف التردد.
وفي السياسة، يصبح الرجل خبيرًا في قرارات الدول الكبرى، يعرف لماذا اتصل رئيس برئيس، ولماذا تأخر اجتماع، ولماذا ابتسم مسؤول ولماذا لم يبتسم الآخر، بل وربما يعرف ما دار خلف الأبواب المغلقة أكثر من الذين كانوا داخل الغرفة!
وفي الاقتصاد، يتحول فجأة إلى محلل للأسواق والعملات والذهب، ويعطيك توقعاته بثقة عجيبة، فإذا أصاب قال: «أنا قلت لكم»، وإذا أخطأ اختفى قليلًا حتى تأتي موجة جديدة من الأخبار، فيعود إلينا بتحليل جديد وكأن شيئًا لم يكن.
أما كرة القدم، فهذه حكاية أخرى. كلنا أصبحنا مدربين، وكلنا نعرف التشكيل الصحيح، والتغيير الصحيح، والخطة التي كان يجب أن يلعب بها الفريق. والغريب أن المدرب نفسه يحتاج إلى مباراة كاملة حتى يكتشف الخطأ، بينما صاحبنا اكتشفه من أول دقيقة وهو جالس على الكنبة!
ثم نصل إلى الطب.. وهنا لا مجال للضحك كثيرًا. شخص يكتب عن عرض صحي على «فيسبوك»، فتنهال عليه التشخيصات والوصفات من عشرات «الأطباء» الذين لم يروا المريض، ولم يعرفوا تاريخه المرضي، ولم يسمعوا منه سوى سطرين!
المشكلة إذن ليست أن الناس تتحدث أو تبدي آراءها، فهذا أمر طبيعي. المشكلة أننا بدأنا نخلط بين الرأي والمعلومة، وبين المعلومة والخبرة، وبين الخبرة والحقيقة المطلقة.
أن تقول «أعتقد» شيء، وأن تقول «أعرف» شيء آخر.
وأن تختلف مع متخصص شيء، وأن تتعامل مع نفسك باعتبارك متخصصًا لمجرد أنك شاهدت ثلاثة فيديوهات شيء آخر تمامًا.
والأخطر أن «الترند» أصبح أحيانًا أسرع من الحقيقة. الخبر ينتشر أولًا، ثم يبدأ الناس في البحث عن صحته بعد أن يكون قد وصل إلى آلاف وربما ملايين الأشخاص. وكأننا أصبحنا نعيش في عصر يقول: «انشر الأول.. وتأكد بعدين»!
ربما نحتاج إلى إعادة الاعتبار لكلمة بسيطة جدًا اختفت من قاموسنا: «لا أعرف».
فليس عيبًا أن تقول لا أعرف.. العيب أن تتحدث فيما لا تعرف، ثم تدخل في معركة لإثبات أنك تعرف!
وبصراحة.. إذا استمر الحال هكذا، فلن نحتاج إلى خبراء ولا متخصصين ولا مراكز أبحاث.. و أشعر بقلق و خوف أن نصل فى النهاية أننا لم نعد في حاجة إلى جامعات ولا مراكز أبحاث ولا سنوات من الخبرة.. يكفي أن يكون معك هاتف، وحساب على «فيسبوك»، وشيء من الثقة بالنفس، لتصبح خبيرًا في السياسة والاقتصاد والطب والرياضة والعلاقات الدولية!!!